ابن إياس
85
نزهة الامم في العجائب والحكم
فكتب عمر إلي عمرو يسأله عن شرح الحال ، فأجابه إني وجدت ما تروي به مصر حتى لا يقحط أهلها أربع عشرة ذراعا ، والحد الذي يروي منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم ، ويبقي عندهم قوت سنة أخري ست عشر ذراعا ، والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان وهما الظمأ والأستبحار اثنا عشر ذراعا في النقصان ، وثمان عشرة ذراعا في القبط ، وكمال العمارة فيه . [ ق 71 أ ] . فاستشار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عليا رضي الله عنه في ذلك ، فأمره أن يكتب إلي عمرو أن يبنى مقياسا وأن ينقص ذراعين على أثني عشر ذراعا ، وأن يقر ما بعدها علي الأصل ، وأن تنقص من كل ذراع بعد الستة عشر ذراعا إصبعين ، ففعل ذلك وبناه بحلوان فأجتمع له بذلك كل ما أراد من حل الارجاف ، وزوال ما منه كان يخاف ، بأن جعل الأثنى عشر ذراعا أربع عشرة لأن كل ذراع أربع وعشرون أصبعا ، فجعلها ثمانيا وعشرين من أولها إلى الاثني عشر يكون مبلغ الزيادة علي الاثني عشر ثمانية وأربعين أصبعا ، وهي الذراعان وجعل الأربع عشرة ست عشرة ، والست عشر ثماني عشرة والثماني عشرة عشرين . قال القضاعي : وفي هذا الباب « 1 » نظر في وقتنا لزيادة فساد الأنهار وانتقاض الأحوال وشاهد ذلك أن المقاييس « 2 » القديمة الصعيدية من أولها إلي آخرها أربع وعشرون أصبعا كل ذراع ، والمقاييس [ ق 71 ب ] الإسلامية علي ما ذكر منها المقياس الذي بناه أسامة بن يزيد التنوخي بالجزيرة وهو هدمه الماء ، وبني المأمون آخر بأسفل الأرض بالبروذات ، وبن المتوكل آخر بالجزيرة وهو الذي يقاس عليه الماء الآن وقد تقدم ذكره . قال ابن عفير عن القبط المتقدمين : إذا كان الماء في أثني عشر يوما من مسرى أثنتي عشرة ذراعا ، فهي سنة ماؤها ناقص ، وإذا تم ست عشرة ذراعا قبل النوروز ، فالماء يتم . . . فأعلم ذلك . وقال أبو الصلت : وأما النيل وينبوعه ، فهو من وراء خط الاستواء من جبل هناك يعرف بجبل القمر ، فإنه يبتدئ [ في ] التزايد في شهر أبيب . والمصريون يقولون : إذا دخل أبيب كان للماء دبيب ، وعند ابتدائه في التزايد يتغير جميع كيفياته ويفسد ، والسبب في ذلك مروره بنقائع مياه يخالطها فيجتلبها معه إلي غير ذلك مما يحتمله .
--> ( 1 ) وردت عند المقريزي « الحساب » وهي القريبة للصواب . ( 2 ) وردت في الأصل « المقاس » والصواب في المتن .